“مجلة العلوم” : الترجمة العربية المعتمدة لمجلة “ساينتيفك أمريكان” ودورها في تعزيز الثقافة العلمية
د. عدنان الحموي
رئيس تحرير مجلة العلوم
ليس من شك في أن تأصيل العلم واستنباته في أمة من الأمم لا يتحقق إلا بتعزيز الثقافة العلمية ونشرها بلغة هذه الأمة. ومن ثم فإن مواكبة أمتنا للتقدم العلمي المعاصر تحتم تضافر الجهود لتصبح لغتنا أداة طيعة في نشر الثقافة العلمية في الوطن العربي وتعزيزها.
ومن المسلَّم به أن القدر الأكبر من النشاط العلمي في الوطن العربي يجري بألسنة غير عربية. ومن المسلَّم به أيضا أن جهداً طيباً ومحموداً قد بُذل خلال عدة عقود لتعريب المصطلحات العلمية وللنشر العلمي باللغة العربية في كثير من ميادين المعرفة العلمية وعلى مستويات كثيرة تراوحت ما بين التثقيف العلمي للمواطن العادي والمراجع المدرسية، والكتب العلمية المتخصصة، إلاّ أن حجم هذا النشر العلمي العربي وتنوعه أقل بمراحل مما يُجرى في دول ومناطق أخرى كثيرة في العالم تتعامل مع المعرفة العلمية بلغاتها الأصلية في يسر وكفاءة.
فإذا كان التوسع الكبير في النشاط العلمي الذي شهده الوطن العربي في العقود الأخيرة إنجازا يَسْعد به كل عربي، فإن حصاده يجب ألا يكون ابتعاد أعداد كبيرة من الأجيال المتعاقبة عن لغتها الأم واغتراب فكرها وانفصام ثقافتها، بفعل استخدامها للسان أعجمي في نشاطها العلمي. ومن هنا جاءت قناعة مؤسسة الكويت للتقدم العلمي بضرورة أن تنتقل بجهودها في إعداد المعاجم العلمية وفي النشر العلمي باللغة العربية، إلى مستوى أرقى وإلى مجال أفسح. وذلك باقتحام المجال الأصعب وهو مخاطبة المجتمع العلمي العربي نفسه. وقد أقدمت المؤسسة على هذا الخيار وهي مدركة تماما ثِقَل المسؤولية، وضخامة الجهد المطلوب، وضرورة استمراره سنواتٍ طوالا قبل أن يحقق أهدافه.
والسبيل الذي ارتأته “مؤسسة الكويت للتقدم العلمي“للإسهام في تحقيق ذلك، هو ترجمة المجلة العالمية العلمية العامة المرموقة: “ساينتفيك أمريكان” التي تصدر شهرياً في أمريكا منذ العام 1845 والتي اشتهرت بتقديمها علوم العصر وتقاناته بشكل مبسط مما يسهم في تعزيز الثقافة العلمية في المجتمع، وتكوين وعي علمي يتصدى للخرافات وأشباه العلوم. وهذه المجلة تتميزأيضا بعرضها الشيق للمواد العلمية المتقدمة فـي مختلـف الحقـول وباستخدامها القيم لمختلف وسائل الإيضاح. وهي تُمكن قارئها غير المختص من متابعة تطور معارف عصره العلمية والتقانية، كما تُمكن القارئ المختص من معرفة شمولية لموضوع تخصصه.
وفي العام 1984، تحقق ما كان يطمح إليه الكثيرون، فقد اتفقت “مؤسسة الكويت للتقدم العلمي” مع ناشر مجلة “ساينتفيك أمريكان” على إصدار طبعة عربية شهرية لهذه المجلة باسم “مجلة العلوم“، يكون مصدر ثلثي محتوياتها من المجلة الأمريكية؛ وما تتضمنه إضافة إلى ذلك، يمكن أن يكون بالعربية أصلاً ومصدراً، أو أن يكون من الإصدارات باللغات الأخرى للمجلة الأمريكية؛وهي تصدر حالياً بـسبع عشرة لغة عالمية. ولا شك أن تبوُّؤَ لغتِنا العربية مكانتها بين هذه اللغات العالمية، يدفعها إلى الاستجابة لمتطلبات النهضة العلمية والتقانية المعاصرة. وجدير بالذكر هنا، أن تحقق هذا الإنجاز المهم “في زمن لا أمل فيه بوجود من ينفق على مشروع عربي شامل للترجمة العلمية” كان بفضل المساعي الحثيثة التي بذلها كل من المرحوم الدكتور عبد الرزاق قدورة عندما كان مساعدا للمدير العام لليونسكو لقطاع العلوم والدكتور عدنان شهاب الدين عندما كان مديرا عاما لمعهد الكويت للأبحاث العلمية.
وفي العام 1986، باشرت مجلة العلوم الإسهام في تلبية الحاجة الماسة إلى مجلة علمية عربية تقدم إلى القارئ ذي الخلفية العلمية خاصة، علوم العصر على نحو مبسط قدر الإمكان؛ وفي تجسير الفجوة بين الأكاديميين العرب وجمهورهم، هذه الفجوة التي لا نلحظُها في الدول المتقدمة، ألا وهي مقدرة علمائهم على التعبير بطلاقة عن أفكارهم وتخصصاتهم العلمية بلغاتهم الأم.
ومنذ البداية، كان واضحاً أن “مجلة العلوم” ستخاطب جمهوراً لم يوجد بعد بالعدد الكافي وأن صدورها سبيل لزيادة مضطردة في هذا الجمهور.
وبفضل الدعمِ الكاملِ الذي تتلقاه “مجلة العلوم” من ناشرتها “مؤسسة الكويت للتقدم العلمي“، أَمكن لمجلة العلوم تجاوز أشد المعوقات في تجارب المجلات العلمية العربية المرموقة السابقة، وذلك من حيث نوعية موادها أو ديمومة صدورها، كالمجلات العلمية الرصينة: “المقتطف“، “العلوم” (التي كانت تصدر في بيروت قبل نحو أربعين عاما)، “آفاق علمية” (التيكانت تصدر في قبرص بدعم من مؤسسة شومان)، “العلم والتكنولوجيا” و”الصفر” ؛ وكذلك بفضل هذا الدعم المجرد عن أي توقع لعوائد ربحية في المستقبل المنظور، أَمكن لمجلة العلوم أن توفر الحوافز الضرورية لاستقطاب أفضل المترجمين العلميين لمواد لم يسبق طرحُها في لغتنا سواء في موضوعاتها أو في مفرداتها.
هذا وإن التزام “مؤسسة الكويت للتقدم العلمي” بترجمة مجلة علمية واحدة، وليس مقالات مختارة من عدة مجلات علمية، يمثل التزاما صعبا أمام مجلة العلوم، حيث يتطلب الوفاء به مواجهة كافة الصعوبات التي تعترض ترجمة مواد علمية لم يسبق طرحها في اللغة العربية.
ولغتُنا العربية العلمية، مهما يكن من أمر مصطلحاتها ومعاجمها، لا تصلح بهذا وحده لتعرض بدقة العلوم الحديثة، ما لم تكثر الكتابة بها حتى يستقر أسلوبها؛ فاللغة العلمية لا تحيا إلاّ بالتداول والاستعمال. وعلى هذا، تعتبر “مجلة العلوم” بعد أكثر من ربع قرن من صدورها، بمنزلة دائرة معارف عربية للعلوم الحديثة، ففيها يجد من يرغب في كتابة موضوع علمي باللغة العربية بعضَ ما يعينه على ذلك.
وهكذا، إضافةً إلى إسهام “مجلة العلوم” في تيسير النشر العلمي باللغة العربية، فإنها تسهم أيضا في استقرار لغة العلم، التي تتميز بكونها محدودة الألفاظ، واضحة المدلولات، بسيطة الأسلوب وقابلة للنمو.
ومن المناسب أن نشير هنا إلى أن لجوء “مجلة العلوم” أحيانا إلى استخدام مصطلحات مستعربة (معربة أو دخيلة) إنما يعكس خيارها أمام التدفق الهائل للمصطلحات الحديثة، بحيث تُبذل الجهود الثمينة، التي يتطلبها إيجاد مصطلحات عربية صميمة، من أجل مواكبة عصرنا فيما ننقله إلى لغتنا من مختلف العلوم،كما أن استعمال مصطلح جديد في لغات صانعي العلم الحديث، يحفزنا إلى استعرابه؛ مما يمهد السبيل لجعل لغتنا رفيقة للتطور العلمي. فما نحرص عليه هو أن تكون لغتنا حية في مصطلحاتها وأن تكون هذه المصطلحات قابلة للتداول؛ ثم إن المستعربات لا يمكن لها أن تهدد سلامة لغتنا، لأن ما يميز هذه اللغة، هو أصولها وقواعدها ونظامها، وليس مفرداتها. فالمصطلح ليس سوى وسيلة لامتلاك المعرفة.
وفي هذا الصدد يقول الدكتور محمد الجوادي([1]): “بفضل “مجلة العلوم” أصبحت هناك مصطلحات معاصرة، ونصوص عربية تعرض بدقة ما هو جديد في العلم”.
و”مجلة العلوم” وهي تصدر منذ أكثر من ربع قرن، تسهم بشكل فاعل– كما كان متوقعا لها –في دفع مسيرة تعريب العلوم، وخاصة على الصعيد الجامعي، من حيث صوغ المصطلحات العلمية الجديدة، توحيد ما هو متداول منها؛ وذلك بشكل خاص، من خلال سعيها قدر الإمكان إلى أن يكون مترجم ومراجع أي مقال من مقالاتها من المختصين في موضوع هذا المقال ومن بلدين عربيين مختلفين. وحسبما جاء على لسان الدكتور ممدوح خسارة في مجلة التعريب([2]): “فإن مجلة العلوم تُعدّ حجة في إمكان تطوير لغة علمية عربية تتسم بالسهولة والإيضاح والإيجاز؛ كما أنها ميدان رحب لترويج المصطلح العلمي العربي الموحد، وحافزٌ إلى وضع الجديد منه تلبية لمتطلبات ترجمة الأبحاث المتقدمة”.
هذا ويلقى دور مجلة العلوم في خدمة البحث العلمي ثناءً واسعاً من قبل الأكاديميين العرب،” فبعضهم أخذ يقرر على طلبته في الدراسات العليا مقالات من مجلة العلوم لتكون مرجعا لهم في هذه الدراسات”([3]).
وللاستفادة من فاعلية “الإنترنت” والإمكانات الكثيرة القيمة التي توفرها لمستخدميها، فقد تم إيداع إصدارات مجلة العلوم منذ عام 1995 في موقعها على الإنترنت www.oloommagazine.com وفيه أيضا يمكن الاطلاع على “معجم مصطلحات مجلة العلوم” منذ نشأتها. وهذا المعجم يعرض موقعي آخر إصدارين للمجلة ورد فيهما كل مصطلح من هذه المصطلحات، بالعربية والإنكليزية.
وثمة رابط على موقع مجلة العلوم بعنوان (إصدارات المجلة للقراءة فقط) ينقل القارئ إلى موقع “مؤسسة الكويت للتقدم العلمي” www.kfas.org الذي يُمكّن هذا القارئ من الاطلاع على إصدارات المجلة اعتبارا من العام 2010، مع إمكان استخدام تقنية “فلاش” لتقليب الصفحات وذلك اعتبارا من الإصدار 5/2011.
أما المعوقات التي تواجه “مجلة العلوم” في مسيرتها، فهي عموما تلك التي تحول دون ازدهار حركة الترجمة العلمية العربية، وفي مقدمتها أن هذه الترجمة بالذات لا تلقى في عالمنا سوى عدد قليل جدا من المؤسسات التي تحذو حذو الخليفة المأمون في إنصافه لها وإعطائها حق قدرها…
ومن دواعي الأسف، أن تجربة مجلة العلوم في الترجمة العلمية تشير بوضوح إلى أن العالَم العربي ما زال يعاني تلك العلة (ندرة المترجمين العلميين الأكفاء) التي كان المرحوم الأمير مصطفى الشهابي قد شخصها قبل ما يزيد على نصف قرن، بقوله:
“إن الذين يتحلون بمعرفة دقائق العلوم الحديثة وأسرار اللغة التي يترجمون عنها والتي ينقلون إليها، هم قليلون جدا في بلادنا العربية.”
فليس مستغربا إذن أن يكون همُّ مجلةِ العلومِ وشُغلُها الشاغل هو إيجاد المترجم الكفء في تخصصه العلمي وفي لغته العربية، أينما كان. فالمقدرة على الترجمة في حقل من الحقول العلمية لا تتأتى على أكمل وجه إلا لمختص بهذا الحقل ،إذ يجد في علمه ثروة تمكنه من التفاعل مع النص المراد ترجمته وفهم أفكار هو تعابيره الاصطلاحية واختيار مصطلحاته.
ففي هذا المجال،لا تكفي المهارة اللغوية مهما بلغت ،وخاصة في ترجمة الأعمال العلمية المتعلقة مثلا بالتقانة النانوية أوالبيولوجي االجزيئية أوالفيزياء الذرية.
ولا عجب كذلك أن كبار مترجمينا الأوائل من أمثال الكندي وابن رشد، كانوا أيضا من كبار علماء عصرهم في الحقول التي ترجموا وأبدعوا فيها؛ فبالنسبة إلى هؤلاء، لم تكن هنا كمسافة بين الترجمة والتأليف.
ومنذ انطلاقها، تسعى مجلة العلوم جاهدة إلى النهوض بأدائها في تعميق الثقافة العلمية لدى القارئ العربي، إسهاماً منها في تكوين واقع جديد على المستويين القومي والحضاري. وتتطلع هذه المجلة إلى مواصلة هذه المسيرة والارتقاء إلى الطموحات المرغوبة، غير أن نجاحها يعتمد أساساً على إسهام ذوي الاختصاص والاطلاع العلمي؛ وتأمل أيضا أن تزداد فيها مع الوقت نسبة المادة المؤلفة بالعربية، والتي تعرض التطورات العلمية في الوطن العربي وما يجري في مراكزه العلمية وما تُنتجه هذه المراكز.
وختاما أتوجه بالشكر والتقدير إلى المعهــد العالــي العربــي للترجمــة في الجمهورية الجزائرية الذي أتاح لمجلة العلوم في هذا “الملتقى العلمي والثقافي الدولي“، فرصة التعريف بدورها في الترجمة وما تواجهه في مسيرتها.
[1] د. محمد الجوادي، صحيفة الأهرام المصرية، 10/6/2000
[2] د. ممدوح خسارة، مجلة التعريب، (26)، 12 (2003)
[3] د. علي بن محمد علي رشدي وآخرون في: “ندوة البحث العلمي في العالم العربي”، الشارقة 24-26/4/2001