ترجمة الشعر بين الآراء القديمة و الجديدة

د.صادق ابراهيمي کاوري
جامعة آزاد الاسلامية فرع آبادان
(إيران)

عند قرائتنا للأعمال الأدبية الخالدة (شعراً و نثراً) رغم اختلاف كتابها والزمان والمكان المنتمين إليه، وعلى تباين خلفياتهم الثقافية ومشاربهم الفكرية، نرى ملامح وقسمات بعض شخصياتها في شخوص نشاهدها ونحس بها ونقابلها في حياتنا اليومية، تمكن الآديب المبدع من تصوير مشاعر انتابتنا وآلام قد آحسسنا مرة آخری عند قرائتنا للنص بمهارة و احتراف، وههنا تكمن عبقرية الأدب..فاستحضار شخصيات نلمس فيها معاناتنا ونتحسس فيها أوجاعنا قادر دائما على شدنا وجذبنا إلى مجاله المغناطيسي الساحر فالأدب القادر على اعتقال حالة وجدانية إنسانية تعتري النفس البشرية في كل زمن ومكان، ثم وضع هذه الحالة في إطار فني لغوي هو دون شك أدب خالد لا يبليه قدم عهد ولا يقلل من أهميته مرور الزمن.

    إن الترجمة في الشعر سواها في الأجناس الأدبية الأخرى، لأنَّ الشعر هو اللغة العليا، ولذلك لامس كثير من العارفين من النقاد قديماً وحديثاً عرباً وسواهم خطورة الإقدام على هذا الحقل، فذهب الجاحظ مثلاً إلى أنَّ الشعر يتعذّر على الترجمة، ثمَّ ذهب إلى مثل ذلك كثير من علماء الأنتروبولوجيا واللسانيات، وفي مقدمتهم كلود ليفي ستراوس.‏

    ليس في الدنيا ترجمة أصعب من ترجمة الشعر، الشعر يأبى الترجمة أبداً لتعلقه الشديد بأساليب وحيل الكلام والإبهام والإيهام الذي يختصّ بدنيا الشعر وهذا الأمر يسوق هذا الفن إلى الشعوذة الكلامية.

     هكذا يقول الشكلانيون: إنّ الشعر حادثة في الكلام وثورة الكلمات، وبناء على هذا فنحن نقترب حتى الإمكان من الشعر المتبلور من العواطف التي تصدر من إلهامات الشاعر، حيث يجعل ترجمة هذه الإحساسات إلى اللغة الأخرى صعب جداً أي كلما اقتربنا من إحساسات الشاعر صعب علينا نقلها على الورق.

     إنّ الترجمة في عصرنا هذا تتبع مدارساً: أشهرها حفظ الأمانة كلمات النص الأصلي دون الاهتمام بعواطف وإحساسات الشاعر وبهذه الطريقة، تختفي كافة عناصر الشعر كالعلوم البلاغية والشكل والموسيقى الشعرية وفي النهاية، يخلو نص المترجم من المحاسن اللغوية، هذه الترجمة، في بعض الأحيان تتشكل من عبارات مختلفة الأجزاء وبعيدة المعنى دون ربط منطقي بين الأجزاء وهذه الترجمة لا تحرك إحساسات وعواطف قارئ الترجمة.‏

    مدرسة أخرى تعتقد بأن انتقال الترجمة بيد الشعراء. هذه الترجمة تسمى “الترجمة الحرة” في دنيا الترجمة. في هذا الأسلوب يجوز للشعراء خلق الشعر الحديث بلغة أخرى مع الاحتفاظ بمضمون الشعر الأصلي وهنا لا يمكن إطلاق لفظ الترجمة على الشعر صحيحٌ مطلقاً. في هذا الأسلوب يبتعد الشعر المترجم عن الشعر الأصلي بشكلٍ لا يمكن أن تجد شكل الشعر الأصلي. أفضل أنموذج في هذا النوع من الترجمة بالغرب نجده في الترجمة “فيتز الجرالد” لرباعيات عمر الخيام بالإنجليزية. هذه الترجمة جميلة جداً وفي بعض المواضع، تبتعد الترجمة عن الأنموذج الأصلي ابتعاداً شاسعاً حيث لا نجد المضمون الأصلي لرباعيات الخيام أو أنّ هذه الترجمة تحكي رباعيات متعددة مضمونها غالباً غدر الدنيا. ومن الجدير بالذكر، لا يشير الشاعر غالباً إلى الأصل الذي استند عليه بل كل ما يسيطر على باله الأنموذج الأصلي الذي أخذ إلهامه منه، إلاّ قلّة من المترجمين حيث يشيرون إلى اسم الشاعر الذي أخذوا منه في ابتداء الكلام أو في أعلى الشعر.‏

     في القرن الأخير ظهر مذهب جديد في حقل ترجمة الشعر ويعتبر همزة وصل بين المدرستين وهذا الأسلوب عمل سام، ذو قيمة ولكنه صعب وهو جدير بأن يكون أنموذجاً مناسباً لمترجمي آثار الشعر الحديث المنسوب للشعراء المعاصرين. في هذه المدرسة يجب أن يكون المترجم شاعراً أو صاحب ذوق شعري كما يجب أن يجتهد في نقل الجمال الروحي، والشكلي وبلاغة الكلام في الشعر المترجم مع حفظ الأمانة والتمسك بالنص الأصلي المترجم حتى الإمكان. إن هذه الترجمة عمل شاق جداً ولم يتمكن المترجم غير المتخصص أن يقوم بمثل هذا العمل من الترجمة الشعرية.

المفردات المفصلية: الترجمة الادبية، الشعر،النقد القديم، النقد الحديث.